كتب راغب صويلو من أنقرة أن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس السوري أحمد الشرع مع قوات سوريا الديمقراطية شكّل نقطة تحوّل لافتة في المشهد السوري، إذ لبّى عددًا كبيرًا من المخاوف الأمنية التركية، وفتح في الوقت نفسه نافذة محتملة لإنهاء أحد أعقد ملفات الصراع المرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وأظهرت تطورات الأسابيع الأخيرة أن التفاهمات التي نسجتها أنقرة وواشنطن بشأن سوريا لم تبقَ حبيسة الغرف المغلقة، بل انعكست مباشرة على الأرض.
أوضح ميدل إيست آي أن هذه التفاهمات برزت منذ عودة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من واشنطن أواخر العام الماضي، حيث نقل لمسؤولين أتراك حالة الانسجام غير المسبوقة مع الإدارة الأميركية حول خريطة الحل في سوريا، بعد مناقشات تفصيلية شملت الملف السوري «خريطة بخريطة»، وانتهت بتفاهمات واضحة حول النقاط الخلافية.
ضوء أخضر أميركي وتحولات ميدانية
أطلقت القوات السورية في مطلع يناير عملية عسكرية في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، وهي مناطق خضعت لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية لسنوات. واتهمت دمشق تلك القوات باستهداف المدنيين بالقنص والقذائف، بينما أبدت واشنطن دعمًا ضمنيًا لتقدم الجيش السوري، في مؤشر على تنامي الضيق الأميركي من رفض «قسد» تقديم تنازلات سياسية.
ورغم اعتماد الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية شريكًا رئيسيًا في محاربة تنظيم الدولة منذ عام 2015، حافظت واشنطن على موقف متحفظ خلال التصعيد، واكتفت بدور المراقب، حتى مع خسارة «قسد» مساحات واسعة من الأراضي. ورأى خبراء أن الجيش السوري ما كان ليشن هجومه دون موافقة أميركية غير معلنة، في ظل الانتشار العسكري الأميركي شرق الفرات.
ومع انسحاب وحدات «قسد» من حلب، أعلن الجيش السوري نيته التوجه شرقًا لطردها من الضفة الغربية لنهر الفرات. وكشفت تقارير سابقة أن واشنطن طلبت من «قسد» الانسحاب إلى شرق النهر، لكنها قوبلت بالرفض، ما مهّد لتوسّع العملية العسكرية إلى نطاق أوسع.
مكاسب أنقرة وتفكيك العقدة الكردية
ضغطت أنقرة طويلًا على «قسد» للالتزام باتفاق العاشر من مارس، الذي ينص على دمج القوات الكردية في مؤسسات الدولة وتسليم المباني والإدارات العامة إلى دمشق. لكن قيادة «قسد» تمسكت بنموذج الحكم الذاتي أو الفيدرالي، وسعت للحفاظ على هياكلها العسكرية المستقلة، ما أدى إلى جمود المفاوضات وأثار غضبًا متزايدًا داخل تركيا.
مع تقدم الجيش السوري نحو الشرق، اندلعت انتفاضات عشائرية عربية في دير الزور والرقة ضد حكم «قسد»، متهمة الإدارة الكردية بالتمييز وسوء الإدارة. ورد الشرع بإصدار إعلان رئاسي يضمن الحقوق الثقافية للأكراد، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انفجار أوسع.
الاتفاق النهائي نص على دمج مقاتلي «قسد» أفرادًا في وزارتي الدفاع والداخلية بعد تدقيق أمني، ما يعني تفكيك الكيان المسلح المستقل، وإعادة احتكار الدولة السورية للسلاح. كما أعاد السيطرة على حقول النفط والغاز في الشرق إلى دمشق، مع تعهد بتخصيص جزء من العائدات لتنمية محافظة الحسكة.
فرصة لإعادة إطلاق مسار السلام
نقل الاتفاق السيطرة المباشرة على دير الزور والرقة إلى الحكومة السورية، وأعاد المؤسسات الرسمية في الحسكة إلى سلطة المركز، مع الإبقاء على دور أمني داخلي محدود لـ«قسد» داخل المحافظة. كذلك سلّمت المعابر الحدودية للجيش السوري، وانتشرت القوات الحكومية على الحدود مع تركيا، وهو مطلب تركي قديم للحد من التهريب والتسلل.
الأهم أن «قسد» تعهدت بإخراج جميع عناصر حزب العمال الكردستاني غير السوريين، في خطوة تضرب العمود الفقري للعلاقة بين الطرفين، خاصة أن وحدات حماية الشعب، المكوّن الرئيسي لـ«قسد»، ترتبط أيديولوجيًا وتنظيميًا بالحزب.
رأت أنقرة في الاتفاق فرصة تاريخية لإجهاض مشروع كيان كردي مسلح شمال سوريا، مع الحفاظ على حقوق ثقافية للأكراد ضمن إطار الدولة السورية. كما أضعف الاتفاق النفوذ الإسرائيلي المتنامي داخل «قسد»، وفتح الباب أمام إعادة إحياء مسار السلام التركي–الكردي، الذي تعثر طويلًا بسبب الملف السوري.
ومع تراجع نفوذ قيادة قنديل، وتعزز موقع عبد الله أوجلان الداعي إلى التسوية، باتت القيادة الميدانية لحزب العمال الكردستاني أمام خيار ضيق: الاستجابة لمسار التفكيك والحل، أو مواجهة عزلة سياسية وأمنية متصاعدة في الإقليم بأكمله.
https://www.middleeasteye.net/news/syria-deal-kurdish-forces-hands-turkey-strategic-win

